الثقافي

عبد اللطيف ولد عبد الله يصنع الألغاز في روايته

صدرت عن دار "ميم للنشر"

"عين حمورابي"، رواية الجزائري عبد اللطيف ولد عبد الله الصادرة عن منشورات "مسكلياني" ودار "ميم للنشر"، ذات عنوان ملغز لا يمتّ إلى زمن الرواية ولا حوادثها في شيء، ولا إلى حمورابي وقواعده وزمنه. لكنّ العنوان ليس وحده الملغز، إذ إن الرواية ما زالت تنطوي على الألغاز التي تتراكم على وقائعها وعلى شخصياتها وعلى زمنها، بحيث لا نملك يقيناً تجاه أيٍّ من هذه، وبحيث لا نخلص إلى رواية إلا لنجد، خلفها أو أمامها، ما يشكّك فيها أو يُنكرها وينفيها.

هذا ما يُميّز، بل ويضيّع. فدأب الرواية الجليّ هو زرع هذه الألغاز، وإماطة اللثام عنها، ثم العودة إلى زرعها. دأب الرواية ــ أو أسلوبها ــ هو بناء الألغاز واللعب عليها، والتشويق لها. بناء الرواية هو هذه اللغزية المثابرة، لغزية لا تنتهي جميعها إلى انكشاف. لا تنتهي الأسرار كلّها إلى جلاء وإلى توضيح. نحن هكذا أمام رواية هي، حتى في مقدّمتها التاريخية، في ما يمكن أن يكون مجرّد مقدّمة وتوطئة، حتى في هذه نحن أمام لغز لا ننتبه له، حتى نقع في ختام الرواية على "إلغازه" الذي نجده مركّباً، فهو لغز في لغز، وهو لذلك لا ينكشف حتى يزداد إلغازاً.

في سفح جبل أمجر هناك دوّاران يُنسب بناؤهما إلى مهندس أجنبي هو بالتسان. دوّار سيدي مرزوق ودوّار سيدي حراق المتّصلان في بدء تشييدهما، والمنفصلان مع الأيام، هما أيضاً رغم تاريخيّتهما لغزٌ لا يزال يتنقل، من دون أن يرسو على تفسير. هما مقامان لقدّيسين يحملان اسميهما، لكنّهما من تشييد أجنبي، فكيف صحّ لشيخين صوفيّين أن يقوم لهما مزار بيد وبناء أجنبي؟ ليست هذه أحجية تجد حلّاً، لكنها أحجية تفضي إلى أحجية، إذ يتوارد أن الأجنبي الذي شيّدهما أخفى فيهما كنزاً ــ الرواية التقليدية لـ"ألف ليلة وليلة". لكنّ هذا لا يصحّ ولا ينجلي ويبقى اللغز لغزاً، بل يبدو أن هذا الإلغاز، على هذا النحو الذي لا ينكشف، هو أسلوب الرواية. يمكننا القول بدءاً من هذا إن من أساليب الرواية ــ وهي كثيرة الأساليب ــ صناعة الألغاز.

هكذا نعثر في الرواية على الجريمة. الجريمة المتعدّدة، إذ ثمّة جرائم متواترة في الرواية، وفي ذلك ما يجعل الرواية بوليسية، بل يبدو، لأوّل وهلة، أن الرواية تتّجه إلى ذلك، لكن هذه الإيعازات لا تتحقّق. الجريمة تغدو جرائم والقتلة على وشك أن يبرزوا، بل يتراءى لنا أننا نكاد نعثر عليهم، لكن هذا يبقى وعداً فحسب. رغم أن في الرواية كل ما يُفضي إلى بناء بوليسي، إلا أنّنا، مع ذلك، لا نعرف تماماً مَن هو "أ" الذي رآه الراوي في مستهلّ الرواية يُقتل، وشكّ في أنه يستتبع الجريمة الأولى بجرائم أخرى. يبقى الشكّ مع ذلك قائماً، وإنِ اتجهت الوساوس أحياناً بفعل الرواية، إلا أن الجريمة تبقى غامضة، بل يبقى غموضها والحيرة تجاهها قائمين على طول الرواية.

نرى "أ" يقتل لكنّنا مع ذلك لسنا متأكّدين من أنه قاتل متسلسل، بل لسنا متأكّدين من أنه القاتل الأوّل الذي شاهدناه في مطلع الرواية. لسنا متأكّدين، إذ أن عبد اللطيف ولد عبد الله يريدنا أن نبقى متحذّرين، أن نبقى على ظنوننا وشكوكنا. لن نلتقي بـ"أ" ولن ينكشف لنا أمره، رغم أنه ينكشف في البداية. إلّا أنه مع السرد ومع الجرائم التالية، يقلّ انكشافه ويقلّ اليقين من كونه مجرماً. سينقطع السرد هنا وتقف الرواية. ما استطاع الروائي الجزائري بناءه، ما توخّى في الواقع صناعته، هو تماماً هذه الحيرة. لقد شاء أن يبقى الغموض ماثلاً، بل شاء أن يضفي على هذا الغموض غموضاً أكثر. هذا مراده وهذا ما توخاه، مزيد من الغموض، بل إلغاز شامل. هكذا تبدو الرواية في جانب منها صناعة الغموض، وبكلمة أخرى بناء الألغاز.

الراوي وحيد حمراس، هو بحسب الرواية طوبوغراف استلحقته البعثة الأثرية الوافدة من ألمانيا في عملها في الدوارّين، لكونه أحد المتحدّرين منهما. يقبل حمراس التكليف ونراه يغشى منزله العائلي، ويشاهد "أ" يقتل ويجامع هيلين بلانك، ويلتقي بـ"ك"، وتتعرّض السيارة التي استأجرها للتخريب. هذه هي الرواية، لكنها لن تبقى كذلك. سنكتشف في النصف الثاني من الرواية أنها لم تقع، وأن وحيد حمراس كان يتخيّلها، وأن عائلته قُتلت من سنين طويلة. أي أن مؤلّف الرواية يجعلها كلّها لغزاً، وما يتبقّى منها يَبني على الإلغاز. موهبة المؤلّف إذن هي بناء الرواية كلها كسرّ، بل ولغز ومجرّد تخييل. هكذا يبدو أسلوب الرواية في هذا الإلغاز المثابر المستمرّ. أسلوب الرواية هو صناعة الإلغاز وبناء الغموض.

 

 

من نفس القسم الثقافي