الثقافي

ميدا ييغينوغلو: الحجاب كقضية ما بعد كولونيالية

يصعب التعامل مع حجاب المرأة كمجرّد غطاءٍ للرأس، أو أمر شخصي، فهذا التناول يبدو ساذجاً بعدما تحوّل الحجاب إلى "مسألة" اجتماعية، ودخل بالتالي كمبحث إلى حقل الدراسات الفكرية، ليس فقط الدراسات الإسلامية، إذ إن الحجاب وبعد أن كان موضوعاً داخلياً في المجتمعات الإسلامية يتسبّب في أكثر من سجال، أصبح مدخلاً للحديث عن قضايا أساسية في الفكر العالمي؛ كـ الاستشراق وما بعد الكولونيالية والحداثة والعولمة والتنوير.

مع مرور السنوات، تراكمت الدراسات والأبحاث حول الحجاب، حتى أنه يمكن وضع فروع لهذا المبحث الأساسي، ومنها الدراسات التي وضعتها باحثات حول المسألة. وهذا التقسيم يتيح، من جهة أخرى، عقد مقارنات بين مقاربة وأخرى، فبعضهن تناولن الحجاب من منظور نسوي، وأخريات من منظور سياسي، أو من منظور تحليلي بحت.

من الدراسات البارزة أيضاً في هذا المجال كتابٌ للباحثة التركية في علم الاجتماع، ميدا ييغينوغلو، بعنوان "استيهامات استعمارية: نحو قراءة نسوية للاستشراق"، صدرت طبعةٌ جديدةٌ منه مؤخّراً عن "دار الرحبة" بترجمة عدنان حسن، بعد الطبعة الأولى التي صدرت عن "دار التنوير في دمشق" في 2012؛ حيثُ تُضيء الباحثة على المسألة، خصوصاً في فصل بعنوان "رفع الحجاب: تحديث المرأة".

"

اخترع الغرب صورةً عن الحجاب لصناعة خطابه الاستشراقي

"

"الوجه العاري للمرأة العربية" لنوال السعدواي من أبرز الدراسات العربية حول مسألة الحجاب. يمكن، أيضاً، أن نعدّ دراسة بعنوان "خلف الحجاب" لسناء المصري. وإذا وضعنا هذين العملين في مقارنة مع "رفع الحجاب: تحديث المرأة" لـ ييغينوغلو، فإننا سنلاحظ الشوط الذي قطعته المرأة في التنظير لمسألة الحجاب، وهو شوطٌ يشمل التخلّص التدريجي من الانفعال والنظر إلى المسألة بشكلٍ فكري ومنهجي قد يُسهم في تحريك الراكد في الثقافة العربية والإسلامية.

قد يُعتَبر الالتفات إلى أعمال الباحثات بشكل خاصٍ تجاوزاً من الناحية العلمية، أو تغاضياً عن إسهامات أساسية قدّمها باحثون في الموضوع نفسه. غير أن هناك خصوصية ينبغي الارتكاز عليها، وهي أن مسألة الحجاب ترتبط بشكل وثيق بالمرأة وعلاقتها بالثقافة التي تعيش فيها؛ فالنساء - دون الرجال - حُمّلن مسألة الحجاب، وهنّ يعشن رهانات متعدّدة ومتشعبة عند ارتدائه أو نزعه. وفي مرحلة لاحقة، كان عليهن التنظير لكلا الوضعين، من خلال حجج وتبريرات ارتدائه أو الحجج والتبريرات المضادّة.

هذا من منظور إسلامي داخلي، أمّا على مستوى أوسع، فينبغي أن نفهم أن ظهور نساء منظّرات في مسألة الحجاب كان ضرورةً لمواجهة رؤى استشراقية تقول بأن المسلمات كنّ مفعولاً بهن في مسألة الحجاب؛ إذ فُرض عليهن.

هذا الدور التبريري أو التفسيري بدا وقد تجاوزه الزمن؛ إذ نقع اليوم على تكوّر في منهجيات المرأة كباحثة تتناول مسألة الحجاب. سنجد عنصراً مشتركاً بين ييغينوغلو والسعداوي والمصري يتمثّل في إدراكهن جميعاً أن الحجاب رمزية تُخفي وراءها مشاكل اجتماعية وسياسية متشابكة.

رأت السعداوي، في "الوجه العاري للمرأة العربية"، في مسألة فرض الحجاب إخفاءً متعمَّداً لعورات اجتماعية جذرية؛ كتقديم تعليم الذكور على تعليم البنات، والتفرقة في ميزات العمل بين النساء والرجال، وأيضاً تغطيةً على مشاكل اجتماعية كالتحرش والاغتصاب، بل ومغالطةً في قضايا مثل تحديد النسل والإجهاض.

واعتبرت المصري، في "خلف الحجاب"، أن الحجاب مفروض على النساء كنوع آخر من الحجاب على وضع المرأة السياسي داخل جماعات مخصوصة، لاسيّما ضمن تيارات الإسلام السياسي، مشيرةً إلى مقدار التفرقة غير المنصفة في توزيع الأدوار السياسية داخل هذه الجماعات، حتى أن هذه الأدوار - حسب رأيها - لم ترقَ أحياناً لأن تكون أدواراً سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة، بقدر ما كانت مجرّد أدوار إدارية تنسيقية.

أمّا في دراسة "رفع الحجاب: تحديث المرأة"، فتلتفت ييغينوغلو إلى نوعٍ من الحجاب يتصوّر الغرب أنه مفروض على المرأة المسلمة. ومن هنا يبدأ في تطوير خطابٍ يدعوها إلى نزعه باسم التنوير.

"

طرحٌ يراعي تفاعلات المسألة مجتمعياً وسياسياً وحقوقياً

"

ركّزت الباحثة التركية على نمط التحرّر الذي يفرضه الغرب انطلاقاً من الحجاب وضرورة استبداله بالرداء الذي يشبه كثيراً رداء الأوروبيات كنوع من المركزية الغربية التي يحاول فرضها. وبعد ذلك، وضع شروط جديدة وعصرية لإنتاج التأثيرات المرغوبة في وضع النساء في مجمل العالم الإسلامي.

وضعت ييغينوغلو يدها على مسألة جوهرية في موضوع الحجاب هي العلاقة التناحرية التاريخية بين الشرق والغرب، وكأن الحجاب بالفعل إحدى ساحاته. تقول في هذا السياق: "إن الربط الكنائي بين الشرق ونسائه، أو بشكل أكثر تحديداً، تمثيل المرأة بوصفها تراثاً وبوصفها جوهر الشرق، جعل إزالة الحجاب أكثر أهمية، لأن سفور المرأة الشرقية، ومن ثمّ تحديثها، إنما يرمز إلى تحوّل الشرق نفسه، وسفورُ المرأة باعتباره العلامة الممتازة على التقدّم".

إيمان عادل

 

من نفس القسم الثقافي